تغطي المياه أكثر من 70% من مساحة كوكبنا، وقد يظن المرء أنها وفيرة. ومع ذلك، ما زلنا على شفا أزمة مياه عالمية، لأن المياه العذبة، أي تلك التي نستخدمها للشرب والري ومعظم أنشطتنا اليومية، لا تمثل سوى نحو 3% من إجمالي المياه، أي أنها نادرة للغاية. يضاف إلى ذلك أن معظم المياه العذبة غير متاح للاستخدام لأنه محتجز في الأنهار الجليدية. ونتيجة لذلك، يواجه الملايين حول العالم مشكلات في الحصول على المياه وندرتها والصرف الصحي وغير ذلك الكثير. ويعاني أكثر من مليار شخص الإجهاد المائي، ويتعرض نحو 2.4 مليار شخص لأمراض مختلفة بسبب قصور خدمات الصرف الصحي.
ما أسباب الإجهاد المائي وأين يكون أكثر انتشاراً؟
الإجهاد المائي نسبة تقيس الطلب على المياه مقارنة بالإمدادات المتجددة. وقد نما الطلب على المياه نمواً كبيراً، إذ تضاعف أكثر من مرتين منذ عام 1960، ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه. وبحلول عام 2050، يُتوقع أن يعيش مليار (1) شخص إضافي في ظل إجهاد مائي حاد. وتعود زيادة ندرة المياه في معظمها إلى النمو السكاني العالمي وتغير المناخ والإدارة غير المستدامة للمياه وضعف سياسات الاستخدام وقصور البنية التحتية. وتنقسم ندرة المياه رسمياً إلى فئتين: النقص الناجم عن الظروف البيئية، والندرة الاقتصادية، أي عدم توافر البنية التحتية الكافية لإيصال المياه.
لا تعاني جميع البلدان الدرجة نفسها من الإجهاد المائي، إذ يختلف كل منها في مستويات الاحتياطيات المتاحة وأساليب الإدارة وتدابير التخفيف من المخاطر. وتتصدر البحرين وقبرص والكويت ولبنان وعُمان وقطر قائمة البلدان الأكثر معاناة من الإجهاد المائي. ويعاني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ندرة المياه أكثر من غيرهما، إذ يتعرض نحو 83% من سكانهما لمستويات مرتفعة للغاية من الإجهاد المائي، وتليهما منطقة جنوب آسيا.
ما الذي يمكن توقعه في ظل الاتجاه الحالي لندرة المياه؟
وفقاً لأحدث الإحصاءات، سيتأثر أكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (نحو 70 تريليون دولار أمريكي) بندرة المياه بحلول عام 2050. ويمكن أن تُترجم هذه الأرقام إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي وتصاعد في انعدام الأمن الغذائي عالمياً. يضاف إلى ذلك أن الحرمان من المياه قد يسرّع انتقال أمراض مختلفة، من الكوليرا والتيفوئيد إلى شلل الأطفال والإسهال والتهاب الكبد A.
كيف نعالج الإجهاد المائي العالمي؟
يُعدّ الإجهاد المائي المتزايد تحدياً بالغ التعقيد يتطلب التزاماً عالمياً، وينبغي التصدي له بمزيج من جهود الحفظ والتدابير السياساتية والابتكارات التقنية والبنية التحتية المتطورة وتشجيع الاستهلاك الأكثر مسؤولية. وفيما يلي بعض القرارات الاستراتيجية الرئيسية للتخفيف من مستويات الإجهاد المائي:
إعادة النظر في الممارسات الزراعية
تتمثل الخطوة الأولى في معالجة قضايا الإجهاد المائي في الوعي بالموارد المتاحة، أي بذل كل جهد ممكن للحفاظ عليها. ويمكن لتقنيات مختلفة أن تساعد على تقليل استخدام المياه، ولا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه. فعلى سبيل المثال، تُعرف الزراعة بأنها من أكبر المساهمين في تلوث المياه وبؤرة لتحديات الإجهاد المائي، ولذلك قد يكون هذا القطاع نفسه منطلق الحلول.
بفضل أنظمة الري بالتنقيط، يمكننا إيصال المياه مباشرة إلى جذور النباتات بما يقلل الفاقد الناتج عن التبخر أو الجريان السطحي. وتكشف أنظمة قياس رطوبة التربة الاحتياجات الفعلية للنباتات من المياه، فتمنع الإفراط في الري. وتتيح تقنيات الزراعة الدقيقة، مثل نظام GPS والاستشعار عن بُعد، للمزارعين مواءمة كميات المياه والمغذيات مع الاحتياجات الخاصة لكل جزء من الحقل، بما يحقق الاستخدام الأمثل للمدخلات ويرفع غلة المحاصيل. كما تسهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في اتخاذ قرارات أكثر حكمة، ومن ذلك مثلاً المساعدة في إعداد جداول ري فعالة، واختيار أفضل أصناف المحاصيل للظروف القائمة، بل والتنبؤ باتجاهات الأسواق لأغراض التخطيط الاستراتيجي.
وتُعدّ حماية جودة المياه والحفاظ عليها جانباً حاسماً آخر. فأنظمة الترشيح الحيوي فعالة في إزالة ملوثات المياه، كما أن المحاصيل الغطائية والحراثة المحافظة من الاستراتيجيات التي تتيحها التطورات التقنية لحماية جودة المياه، إذ يمكن لكليهما الحد من تآكل التربة وجريان المغذيات.
تحويل السياسات المائية
تُعدّ السياسات المائية المستدامة ضرورية لتخفيف الإجهاد المائي. ويأخذ نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM) في الحسبان دورة المياه بأكملها ومختلف مستخدمي هذا المورد، فيساعد على تحقيق التوازن بين الطلبات المتنافسة ويحول بالتالي دون الإفراط في استخراج المياه من مصدر بعينه. فضلاً عن ذلك، يحقق هذا النهج التوزيع الأمثل للمياه وفقاً لأولويات المستخدمين في مختلف القطاعات، ويؤكد أهمية مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة الموارد المائية واستدامتها على المدى الطويل.
تطوير البنية التحتية للمياه وتحديثها
يمكن لتحديث البنية التحتية للمياه أن يعزز الكفاءة ويقلل الفاقد الناتج عن التسربات المحتملة، ويشمل ذلك إصلاح خطوط الأنابيب والمضخات ومرافق التخزين المتقادمة واستبدالها. ويمكن لنشر التقنيات الذكية، كأجهزة الاستشعار والعدادات وأنظمة المراقبة الآنية، أن يحقق التوزيع الأمثل للمياه ويكشف التسربات ويوفر بيانات لاتخاذ قرارات أكثر حكمة. كما يمكن لتطوير محطات الصرف الصحي ومعالجة المياه وتحديثها أن يسهم في إرساء منظومة اقتصاد دائري للمياه، توفر بديلاً مستداماً لتلبية الاحتياجات المائية.
تشجيع الاستهلاك المسؤول
إن خفض مستويات الإجهاد المائي مسؤولية مشتركة للجميع، ولذا يتعين على البلدان رفع مستوى الوعي بندرة المياه وتداعياتها. كما أن من الضروري تشجيع الاستهلاك المسؤول للمياه من أجل الاستدامة والقدرة على الصمود على المدى الطويل في جميع المجتمعات.
تعزيز التعاون العابر للحدود
لما كانت التحديات المرتبطة بالمياه تتجاوز في الغالب الحدود الوطنية، فمن الأهمية البالغة تحقيق التزام دولي بحل القضايا الملحة. فالبلدان والمناطق تتقاسم الموارد المائية، وكثير من أحواض الأنهار يمتد عبر بلدان متعددة، وتلوث المسطحات المائية ينشأ في موقع ما ويؤثر في المناطق الواقعة في اتجاه المصب، وللجفاف آثار إقليمية بل وعالمية أحياناً. لذا ينبغي لعالمنا أن يدرك أن مواجهة ندرة المياه يجب أن تكون جهداً جماعياً لا نشاطاً منفرداً. ويمكن لوضع معايير دولية وإنفاذها، كمعايير جودة المياه ومنع التلوث وانتقال الملوثات، أن يؤدي دوراً محورياً في حل التحديات المرتبطة بالمياه.
الاستثمار في البحث والابتكار
يُعدّ البحث والابتكار عنصرين حاسمين في تطوير حلول مستدامة تيسّر الحد من الإجهاد المائي، إذ يشكلان أساساً لاتخاذ قرارات مستنيرة. فالبحث يساعدنا على فهم أنظمتنا المائية فهماً أفضل، بما في ذلك الدورات الهيدرولوجية وديناميكيات المياه الجوفية وأثر تغير المناخ على توافر المياه، وهذه المعرفة أساسية للإدارة الفعالة للمياه. كما تساعد التطورات التقنية على ضبط مستويات الإجهاد المائي والتخفيف منها؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنيات تحلية المياه أن توفر مصدراً إضافياً للمياه العذبة في المناطق التي تواجه ندرة حادة في المياه.
تابعوا صفحات Risalat على مواقع التواصل
LinkedIn | Twitter | Facebook | YouTube
هل تعرف أشخاصاً ينبغي أن يقرؤوا هذا؟ كن سفيراً لـ Risalat أو اكتب مقالاً مع Risalat باسمك الشخصي.
شركاء في نجاح المشاريع منذ 2011، نقدم التشخيص والدعم الاستشاري والتعلم التطبيقي للوزارات والهيئات العامة وفرق المشاريع.
هل تحتاج إلى مساعدة في تطبيق ذلك عملياً؟
ابدأ بتشخيص مجاني مدته 10 دقائق أو تحدث إلى خبرائنا.



